top of page
Featured Posts

الأخلاق و فروة الدب الأبيض

  • 17 juil. 2015
  • 9 min de lecture

هل سمعتم يوما مسلما يطرح على ملحد السؤال التالي : بما أنك ملحد لمذا لا تنكح أمك ، لمذا لا تقتل جيرانك ... ؟

بالتأكيد صادفتهم هذا السؤال ، و قرأتم رد الملحد الشهير : و لمذا أنكح أمي و أمك موجودة ؟ ... وهذا السؤال لا يخلوا من الغباء و الإستفزاز، فهو من جهة يعني بأن صاحبه يمتنع عن نكاح أمه لالشيء إلا لأن الدين يمنعه ، من ذلك، و أنا هنا لا أقصد الإهانة ، إلا أنني لا أجد أي مثال محترم لهذه الحالة ، سوى مثال الكلب المربوط بسلسلة لعمود نور ، فتمنعه السلسلة من الهجوم على كل ما دب و تحرك، فالذي يطرح هذا السؤال يقول لنا أنه كذلك الكلب ، و دينه هو تلك السلسلة التي لولاها لنكح الحي و الميت، الأب و الأم و الأخت و الأخ و الجيران أيضا. أما الإستفزاز فهو ظاهر، فهو يقول لمن يخاطبه أنك إنسان بلا أخلاق لأنك بلا دين ، فالدين هو الأخلاق

لكن هذا السؤال رغم سخافته الظاهرية ،و اقترانه بالجنس الذي يعتبر أهم شيء في الوجود عند هؤلاء ، إلا أنه يفتح باب النقاش في أحد أهم المواضيع الفلسفية ، وهي الأخلاق ، مصدرها و مرجعيتها... ولكي نجيب على هذا السؤال المستفز ، علينا أن نعيد صياغته بطريقة أخرى أكثر احتراما، تستحق الرد العقلاني المحترم وهي : ما هو مصدر الأخلاق و مرجعها ؟ هل هو الدين ؟ إنه الله طبعا ، فهو الذي يحدد لنا الخبيث من الطيب ، السيء و الجيد ، الحلال و الحرام ... و الأخلاق علمها الله لآدم حين علمه الأسماء كلها ، لكي ينشرها بين أبنائه ( وكان أول خلق نشره بين أبنائه هو زنى المحارم) ، ثم بعث الله الرسل لكي يصححوا أخلاق الناس كلما فسدت...

قصة جميلة ، لكنها ليست مدعومة بأي دليل ، ولا تعتمد أي بناء منطقي، لأنها قصة وفقط.

فدعونا نترك الدين وقصصه جانبا فليس هذا هو مرادنا ...

مذا يقول العلم عن الموضوع ؟ من أين أتت الأخلاق ؟ ما هو مصدرها و ما هي مرجعيتها ؟ لمذا يعتبر القتل شيء لا أخلاقي ؟

يحكي لنا العلم قصة مختلفة تمام ، في أبعادها و دلائلها ، فيروي لنا قصة كائنات عاشت صراع البقاء على كوكب لا يرحم لأزيد من 3 مليار سنة ، أي ثلاتة أرباع عمر الكوكب نفسه ... في صراع الموت هذا، الموت هو النهاية ، لكنه ليس نهاية القصة ، فالكائنات تمرر جيناتها لأبنائها ، و الإنقراض هو نهاية النهايات...

هنا يحب البعض أن يقول ، أن البقاء للأقوى ، و البعض الآخر يقول أن البقاء للأصلح ... أنا أحب عبارة "البقاء لمن يستطيع البقاء" و البقاء مدة أطول للأفضل ...

إنه الإنتقاء الطبيعي ، و سيكون من الصعب فهم المقالة دون فهمه و فهم الظاهرة التي ترافقه وهي الطفرات الجينية...

و لهذا سأشرحها بشكل مختصر ثم أكمل : الطفرات هي أخطاء جينية تحصل عند اختلاط DNA الأب و DNA الأم ليعطوا DNA الإبن ... فتظهر صفات جديدة في الإبن لم تكم موجودة في سلفه، قد تكون ظاهرة و قد لا تكون ، قد تكون مهمة و قد لا تكون ...

تخيلوا معي الآن ، أن قطيعا من الدببة البنية هاجر باتجاه شمال أوروبا، فوجد نفسه محاطا ببياض الثلوج ، مكشوفا للطبيعة بسبب لونه البني ...

بغض النظر عن موطنها الأصلي و كيف كانت تعيش فيه ، إلا أن الحياة في هذا المكان صعبة ، بسبب لونها الخارجي و لون العالم من حولها ، مما يجعلها مرئية لفرائسها...

وهي تتصارع للبقاء ، أنجبت الدببة أجيالا من الدباديب و الدبدوبات ، و بفعل طفرات جينية ، ظهرت دببة سوداء ، و رمادية ، و وردية ، و خضراء ، و بنفسجية ( الألوان من وحي الخيال فلا تركز عليها كثيرا )، و أنجبت دبا أبيض ...

هذا الدب الأبيض في هذه القصة سيكون أمير الدببة ، بل سيصبح أب الدببة في تلك المنطقة ... لأنه سيكون أفضلها في الصيد ، أوفرها حظا ...

لكن كما قلت ، فالموت نهاية ، لكنه ليس هو النهاية ، الإنقراض هو النهاية ...

فوجود الصفة الجيدة و هي اللون الأبيض في هذا الدب لا تعني شيئا اذا مات و ماتت معه ... فعليها أن تنتقل للأجيال التي تليه لكي يصبح لها قيمة ... وهذا ما يوفره ال DNA ... فأي صفة تظهر عليه تبقى فيه و تنتقل للأبناء ...

ولهذا حين يقوم هذا الدبدوب الأبيض بنكاح الدبدوبات ، سوف يلد دببة بيضاء ( وقد ينجب دببة أخرى بنية أيضا لأنه يحمل صفة اللون البني من أسلافه)

بعد آلاف السنين ، و مئات آلاف السنين سيصبح لدينا دببة بيضاء فقط ، أو لنقل أن الدببة البيضاء ستشكل أغلبية ساحقة مؤقتا ثم ستختفي بقية الدببة ، لأنها لن تستطيع مجارات انتشار الدببة البيضاء التي تصطاد بشكل أفضل و تهيمن على الصيد في المنطقة ، فتزداد أعدادها أسرع من البقية ، و كلما ازدادت أعدادها مقارنة بالبقية كلما هيمنت على الصيد و حرمت البقية من الطعام ... بالإضافة لأنها سوف تنكح البقية و تلد منها دببة بيضاء ، و تنشر جيناتها في بقية الدببة مع مرور الوقت لن يبقى هنالك بقية ، و ستبقى الدببة البيضاء في المحيط الأبيض ، و هذا هو واقع الحال اليوم ...

فلون الفروة الأبيض صفة مفيدة فضلتها الطبيعة في القطب الشمالي على لون الفرو البني الذي في هذه الحالة كان صفة مضرة بالنوع أدى لانقراضه ...

(طبعا هنا يأتي المؤمن و يقول "سبحان الله ، جعل لدببة القطب الشمالي فروة بيضاء لكي تصطاد ، و جعل لدببة الغابات فروة بنية لتمويه أفضل") لأنه يجهل أن ما يراه هو نتيجة لملايين السنين من المعاناة و الموت و الإنقراض ...

طيب ما دخل هذا بالأخلاق ؟ أنت رحت فين يا شيخ ديكارات ؟

وحدة وحدة عزيزي ، أكمل القراءة...

هنا شرحنا ما معنى صفة ، و ما معنى انتخاب طبيعي ، و كيف أن الإستمرار و البقاء يكون مضمونا كلما ظهرت صفات تساعد على البقاء و انتقلت هذه الصفات للأجيال المتتالية.

الأخلاق ليست إلا صفات من تلك الصفات ... كما أن الأحاسيس ليست إلا صفات من تلك الصفات الجيدة التي ساعدت الكائنات على البقاء.. كالخوف مثلا ... الخوف في عالمنا العربي شيء مذموم ... لكنه في الحقيقة من أهم الصفات التي ساعدت الكائنات على البقاء ، لأن الغزلان لو لم تكن تشعر بالخوف لانقرضت. الجوع ... لولا أن الأسود تشعر بالجوع لانقرضت ...

طيب متى ظهرت الأخلاق ، و ظهرت فكرة أن هذا جيد و هذا سيء ؟

الأخلاق ظهرت حين بدأ الإنسان يتخيل نفسه مكان الضحية... هنا بدأ يفرق بين السيء و الجيد ... و الذي ساعده على هذا هي مجموعة من الصفات المفيدة التي تطورت كما تطورت الدببة من بنية لبيضاء في شمال الكوكب... نذكر من أهمها حواسه ، فهو لكي يتخيل نفسه مكان الضحية عليه أن يعلم بوجود الضحية أساسا ، بالإضافة إلى الأحاسيس التي تطورت عنده و عند بقية الكائنات و التي يولد المولود وهو مكتسب لها ، كالخوف ، الغضب ، الجوع ...

فبمجرد أن يتخيل نفسه مكان الضحية سوف يشعر بالخوف ، و الإشمئزاز ، و الكراهية لذلك العمل الذي سماه "جريمة".

وهذه هي القاعدة الذهبية للأخلاق. الشيء السيء هو ذلك الشيء الذي لا يحب البشر أن يحصل لهم. و الشيء الجيد هو ما سواه ، و ما يحب البشر أن يحدث لهم.

فالإنسان هنا حين طبق قاعدة الأخلاق الذهبية، اكتسب فكرة مفادها أن ذلك العمل سيء و لا يجب فعله...

لكن هناك شيء مهم ، وهو استمرار هذه الفكرة، فلا يجب أن تموت معه، و إلا صارت بلا قيمة' ، كلون فروة الدب الأبيض ، بل يجب أن تمر للأجيال التي بعده ...

و المرور في هذه الحالة يكون مرورا جينيا في الأساس ، لأن الإحساس بالخوف و الغضب و الكراهية صفات تمر جينيا من الأب لابنه ، و يكفي أن يرى الإبن الجريمة لكي يفهم أنها جريمة كما فهمها أبوه ، لكن هذا ليس متاحا دائما ، و لو انتقلت الأخلاق بهذه الطريقة لما انتقلت ، لأن كل فرد سوف يكون أخلاقه الخاصة من خلال ما يراه و فقط... و لهذا وجب أن يمرر الأب الأفكار لإبنه بطريقة أخرى ...

وهنا جاء دور اللغة ، و التي هي من أهم الأشياء التي ميزتنا عن الحيوانات... فلا يهم أن تكون ذكيا ، اذا كنت عاجزا عن تمرير أفكارك العبقرية لغيرك... فلو اكتشفت سلحفاة ذكية معادلة الطاقة لأينشتاين ، فهذا لن يفيد السلاحف لأنها لن تتعلم من هذه السلحفاة ، وستموت معادلة الطاقة بموت السلحفاة...

انتشار هذه الأخلاق ساعد الكائن البشري على الإستمرار ، فهو كفروة الدب البيضاء في القطب الشمالي ... و انتشار هذه الأخلاق كان بفضل مجموعة من الصفات التي اكتسبها الإنسان خلال ملايين من السنين من التطور ، كاللغة ، و الحواس ، و الأحاسيس ... و التي لا تختلف إطلاقا عن فروة الدب الأبيض التي سادت و بقيت بينما اختفت بقية الألوان الأخرى لأنها كانت مضرة.

و الأخلاق ساعدت الإنسان على الإستمرار بطريقة غير مباشرة عكس فروة الدب البيضاء ، لأنها ساعدته على العيش في تكثلات و جماعات "قطعان" بشرية ، لكل فرد منها آرائه و فكره و عقله ... فكانت الأخلاق صفة مفيدة للمجتمع ساعدت على التحامه و عدم تشتته ، و المجتمع هو حالة "صفة" مفيدة للفرد كفرد ، لأنه يحمي الفرد ، كما تحمي قطعان الجواميس أفراد الجواميس ...

فالأخلاق في النهاية هي نتاج لملايين السنين من التطور ، الذي عاشته الكائنات التي سبقت الإنسان ، ثم مر للإنسان عن طريق الوراثة...

طيب مذا عن الدين ؟ ولمذا قلت أنه يفسد الأخلاق ؟

الجواب ببساطة ، و بدون إطالة و دخول في تفاصيل التشريعات الدينية ، هو أن الدين دمر القاعدة الذهبية للأخلاق بأن جعل الأخلاق مرتبطة برغبات شخص أو أشخاص مقدسين ، بغض النظر عن أسمائهم ، هل اسمهم الله ، الرسول ، الإمام ، الشيخ ، الملاك ...

فأصبحت الأخلاق مرتبطة بأهواء أشخاص معينين بدلا من أن ترتبط بالفطرة و الشعور الإنساني و ما يخدم صالح المجتمع ، صارت ترتبط بما يريده فلان أو علان ... الشيء الجيد هو الذي يقول الله أنه جيد ، و الشيء السيء هو الذي يقول الله أنه سيء ، حتى لو كانت أشياء الله الجيدة أشياءا مستقبحة عند البشر و يشمئز منها كل عاقل ، كالسبي و مضاجعة العبيد و بيع النساء و الأطفل في السوق ، و قطع الرؤوس...

و لهذا الدواعش فقدوا الإنسانية ، لأن أخلاقهم لم تعد مرتبطة بقاعدة الأخلاق الذهبية ، إنما صارت مرتبطة بالدين، فهم يرتكبون الجرائم و هم يعتقدون أنهم يحسنون صنعا لأنهم يرضون "الله" ... وهذه هي الكارثة ، التي تجعل الجرائم الدينية من أخطر الجرائم ، لأن صاحبها على عكس كل المجرمين ، يعتقد أنه يفعل أشياءا جيدة...

وهناك شيء أخطر من هذا كله ...

و سنفهمه بجرد طرحنا لسؤال بسيط : لمذا الأسد يلتهم الغزلان و لا يشفق عليها ؟ ألا يتخيل الأسد نفسه مكانها ؟

الجواب هو لا ، لأن عقل الأسد الباطني لا يقوم بعملية التشبية و الإسقاط فيتخيل نفسه مكان غزال ، لأنه يرى غزال أمامه لا أسد ... فهو يرى كائن أضعف منه ، أقل منه قيمة ، مختلف عنه.

و الإنسان أيضا ، حين يرى صرصار يقتل أمامه لا يتخيل نفسه مكان الصرصار فلا يشفق على الصرصار ، لأنه يرى صرصارا ، كائنا حقيرا ، أقل منه قيمة ، فعلقه لا يقوم بعملية الإسقاط و التشبيه ...

لكن مذا لو تخيل الأسد نفسه مكان الغزالة ، هل هذا يعني أنه لن يقتلها ؟ الجواب لا ، ليس بالضرورة ، لأن الأسد خاضع لأحاسيس أخرى ، من أهمها الجوع ، و الخوف من الموت جوعا ... فإذا كان جوعه أقوى من شفقته ، سوف يقتل .. و إذا كان خوفه من الموت جوعا أقوى من شفقته سوف يقتل الغزالة ...

هذا ينطبق على الإنسان أيضا ، و الدين عند الداعشي هو ذلك العامل الذي يعوض جوع الأسد و خوفه من الموت جوعا ...

لأن الدين حين يعلم الداعشي أنه خير من غيره ، و أن البقية أدنى منه ، فهو يجعله ينظر للآخر و كأنه أسد ينظر لغزالة ، أو إنسان ينظر لصرصار ، فعقله الباطن لا يقوم باستحضار القاعدة الذهبية للأخلاق أصلا ، لأنه لا يتخيل نفسه مكان الآخر ، فهو لا يرى الآخر إنسانا آخر ، بل شيئا آخر ، أدنى منه مستوى ...

وحتى لو تخيل نفسه مكان الآخر ، فهو يؤمن أنه سيذهب للجنة لو تم ذبحه ، وبالتالي لن يخاف ، و لن يشعر بالإشمئزاز من منظر الذبح ، و لن يرى ذلك العمل شيئا قبيحا ...

و الدين حين يخيف الداعشي بالنار الأزلية ، هو يصنع داخله شيئا شبيها بخوف الأسد من الموت جوعا ، بل هو أقوى من خوف الأسد من الموت جوعا ، يدفع بالداعشي للقتل ، لأنه أقوى من شفقته و رحمته بالآخر ... فإحساسه بالخوف من النار ، يغلب إحساسه بالشفقة على الآخر ...

و بالتالي ، فدين كهذا الدين ، يدمر الأخلاق من أساسها ... و يحول الإنسان لآلة قتل ، و يهدم ملايين السنين من التطور و الإنتقاء الطبيعي... الدين يعيدنا ملايين السنين للوراء ، لما قبل التطور البيولوجي الذي مهد لظهور الأخلاق ...

و الشرط هنا ، أن تؤمن بهذا الدين ، و أن يكون حاضرا في ذهنك ، مسيطرا عليك، و أن يكون القتل متاحا لك ، ظاهرا أمامك ، جزءا من حياتك، لأنني أعلم أنه ليس كل متدين داعشي، و أنا أرد هذا لكون المتدين ليس بالضرورة مؤمنا بهذا الدين حقا كما يؤمن الداعشي ، أغلب المتدينين مقلدون ، يولدون في مجتمع يفرض عليهم التدين ، فالتدين أصبح تقليدا أكثر من كونه عقيدة و معتقد حقيقي ، و القتل ليس متاحا لكل المتدينين ، و إن كان متاحا فعقوبات الدول تردعهم و تخيفهم أكثر مما يخيفهم الدين بالنار ، لأن تلك العقوبات حقيقية ، بينما النار فهي قصص تروى لهم و لا يؤمنون بها إيمان اليقين الداعشي... فالإنسان كائن خاضع لأفكار و أحاسيس مختلفة ، و ليس خاضعا للدين فقط...

لكنه كلما خضع للدين ، كلما ساءت أخلاقه ، فالدين في تعارض تام مع أصول الأخلاق و مصادرها.

و أقول قولي هذا و أستغرف الله لي و لكم و الحمد لله رب العالمين بالتأكيد... ...

‫#‏الشيخ_ديكارت‬


 
 
 

Commentaires


آخر المقالات
الأرشيف
bottom of page