خطأ داعش القاتل.
- 12 juil. 2015
- 5 min de lecture

لولا أن داعش قتلت المسلمين، لكانوا معها ، يصفقون لها و يهللون ...
لو أن داعش قامت بغزو إيطاليا أو ألمانيا ، لكانت صور أبو بكر البغدادي منشورة في شوارعهم كما تنشر صور حسن نصر الله في شوارع الضاحية...
لو أن داعش لم تحطم صورة الإسلام الجميل ، و قامت بالقتل باستعمال الصواريخ بدلا من السكاكين و دون تصوير الضحايا ، لما عارضوها ...
فهم ليسوا أصحاب مبادئ إنسانية، بل مبادئ طائفية تنص على أن دم أبناء ديانتي و طائفتي أغلى و أكثر قيمة من دماء بقية البشر ، و لا قيمة لدماء بقية البشر ما دام دم طائفتي لم يسفك ...
وهم لا يتألمون عند رؤية الدمار و الذبح و القتل لأنه دمار و ذبح و قتل، بل لأنه دمار في ديارهم و ذبح لإخوتهم و قتل لأبناء دينهم...
أليس أكثر هؤلاء كانوا من المؤيدين لأسامة بن لادن ، و رفعوا شعاراته و صوره حين قتل الآلاف من المدنيين الأبرياء في أمريكا و أوروبا ؟
فما الفرق بين ما فعله بن لادن و ما تفعله داعش، سوى أن القتيل كان من ديانة مختلفة ، من أبناء جلدة مختلفة ، و طريقة القتل كانت أقل بشاعة من طرق داعش في القتل ...؟
وفي ال 2006 ، أغلب هؤلاء ، بل أكثرية المسلمين كانت تدعم حزب الله في حربه ضد إسرائيل ، و كانت ترى في حسن نصر الله صلاح الدين الأيوبي الجديد ، و هللوا باسمه في كل مكان ، و صفقوا للحزب و قياداته، رغم علمهم بأنه شيعي المذهب ، إيراني الولاء ، حتى أن من كبارهم من قال أننا نأسف لكونه شيعي المرجع و هذا كل ما نحمله عليه ... و هذا كان رأي القرضاوي نفسه ...
لمذا دعموا حزب الله ولم يعارضوه كما يعارضون داعش اليوم ؟
ولمذا هللوا لبن لادن ولم يعارضوه كما يعارضون داعش ؟ و لمذا يعارضونه و يعارضون داعش اليوم ؟
الجواب و ببساطة ، هو أن حزب الله أظهر لهم قوته ، فانبهروا به و بآلته الإعلامية ، و نظروا إليه على أنه جالب العز و النصر المنتظر ، رغم أنهم يكفرونه و يكفرون دين أهله و أسلافه، و رغم الصراع الدموي الذي يعود ل 14 قرنا بينهم و بين أسلافه الشيعة ... فتمنوا لو يقاسمهم النصر و يصبحوا جزءا من مشهد العز الزائف، رغم أنه مشهد صور على أنقاض البيوت المهدمة و جثث الأطفال و آلاف القتلى من المدنيين الأبرياء سواءا في لبنان أو إسرائيل ...
فهم سيدعمونك بمجرد أن يكون لديك معهم قاسم مشترك (وهو الدين بالنسبة لحزب الله ، و الدين و المذهب بالنسبة لبن لادن)، و بمجرد أن تمتلك القوة العسكرية ، و توهمهم أنك تستطيع جلب العز و النصر لهم ، ولو كان هذا على حساب الأبرياء ، و لو كان ما ستفعله سيأتي بالعدو لعقر دارك و يتسبب بمقتل أبنائهم بأسلحة العدو ، فكلما كنت قويا و قاسمتهم العز كلما دعموك بغض النظر عن ضحاياك ...طالما ضحياك أنت (سطرين تحت ضحاياك أنت) ليسوا من أبنائهم
ففي كلا المشهدين، سواءا مشهد حزب الله و دعمهم له ، أو بن لادن و دعمهم له ، سالت دماء بريئة ، و اشتعلت حروب لا طائل منها ، و خربت بيوت و ضاع مستقبل الكثيرين ... لكنهم لم يأبهوا لكل هذا ، و لم ينظروا للجانب الإنساني من الموضوع ، كل ما اهتموا به كان العز و النصر و القوة ...
فهم يحبون القوة العسكرية ، و يعشقونها ، بل هم يؤمنون بأن الدولة القوية هي الدولة التي تملك السلاح ، وليست تلك التي تملك اقتصادا أو تقدما علميا، و يملك مواطنوها كرامة مثلا...
و لهذا فهم وقعوا في غرام بن لادن ، ووقعوا في غرام حسن نصر الله ...
لكن ...
هناك نقطة تحول يجب أن ننتبه لها و نفهمها جيدا ...
وهي انقلاب بعضهم على بن لادن ، و انقلاب أكثرهم على نصر الله ...
لمذا اختفت صور بن لادن من شوارعهم و مواقعهم الإلكترونية و وسائل تواصلهم و انطفأت شمعة الرجل فجأة ؟
و لمذا انقلبوا على حسن نصر الله بشكل مفاجئ و صار عندهم بمثابة أبي لهب بعد أن كان صلاح الدين الأيوبي (مع أن أبو لهب يعتبر نبي من أنبياء الله الصالحين مقارنة بصلاح الدين ، إلا أن الهدف من التشبيه هو إيضاح الصورة دون النظر بعمق في الشخصيات المشبه بها)
في رأيي ، صورة بن لادن اختفت لأنه فقد الكاريزما التي اكتسبها بعد هجمات 11.09 حيث أظهر أنه قائد لجماعة قوية استطاعت ضرب قلب أمريكا بذكاء لا نظير له ، لكن تلك الصورة سرعان ما اختفت و أصبح تنظيم القاعدة يظهر و كأنه بقوة جماعة مسلحة في الصومال مثلا ...
فعامل القوة اختفى ، و لهذا طلقوه ...
أما حسن نصر الله ، فقد طلقوه عند إعلان الحزب دعمه الكامل للحكومة السورية ، و انخاراطه في ما أصبح بعد مدة وجيزة حربا سنية شيعية ، فرغم احتفاظ الحزب بمظهره القوي ، و استمرار آلته الإعلامية في البروباغاندا ، إلا أنه أصبح يمارس القتل ضد إخوتهم في المذهب و بني جلدهم الأقربين ...
و هنا سؤال بسيط ... لو انخرط الحزب في حرب في المكسيك مثلا ودعم جماعة معينة ضد جماعة أخرى ، هل كانوا سيطلقوه و يصبحوا لاعنين له ؟
الجواب بالأكيد : لا ...
بالعكس ، لربما دعموه و هللوا له ، و اعتبروا ما يفعله نصرا للإسلام و المسلمين ...
فالموضوع بالتأكيد ليس موضوعا إنسانيا ، هم لا يهتمون للقتلى ، بل لقتلاهم ...
اذا قتلت جاري فلا مشكلة عندي ، بل على العكس ، ربما سأكون سعيدا بهذا العمل لأن جاري يختلف معي فكريا و دينيا و عرقيا، المشكلة تبدأ حين تقتل أحد أفراد عائلتي أنا.
فكخلاصة ...
لو أن داعش وجهت نيرانها نحو شعوب أخرى ، دون أن تشوه صورة الإسلام التي يحاولون تقديمها للعالم بتصويرها لعمليات القتل ، لما عارضوها ، بل لكان أبو بكر البغدادي اليوم يلقي خطاباته من على أكبر قنواتهم ، و يتم التهليل له على أنه الفاتح الجديد ، بل دعوني أقول لكم ، أن نصف المسلمين على الأقل كانوا سيبايعونه على السمع و الطاعة ، لأن أهم شروط الكاريزما السخيفة موجودة لذى التنظيم ، فالقتل حرفتهم ، و القوة لديهم ، و آلتهم الدعائية محترفة في التصوير و صناعة البروباغاندا ...
الخطأ الوحيد الذي ارتكبوه ، هو أنهم لم يقتلوا غيرنا بل قتلونا نحن، و أنهم بدلا من تصوير القوة العسكرية للدعاية ، قاموا بتصوير استخدامات القوة العسكرية في الذبح و البشاعة و بالتالي كانت الدعاية عليهم لا لهم ...
إنه خطأ داعش القاتل بالنسبة لهم، و هي أنها سبحت عكس تيارهم ...
فليس للموضوع أية علاقة بالجرائم ضد الإنسانية ، و بقيمة الإنسان...
قيمة الإنسان لا تتجاوز الذباب عندهم ...
فلا يخدعوكم بتمثيل دور المعارضين للجرائم.
لكن ، ما هي الأسباب وراء كل هذا ؟ لمذا هذه الحالة الغريبة من انفصام الشخصية عندهم ؟ لو اعتبرنا أنهم شخص واحد تظهر عليه اضرابات نفسية ، و أردنا علاجه ، لكانت مهمة تشخيص مرضه صعبة جدا بسبب تعقيد حالته التي تعود لتعقيد حالة المجتمع الذي تربى فيه ،و الذي صنع شخصيته الغريبة تلك ... لكن من خلال إلقاء نظرة سريعة على تلك البيئة ، ربما نستيع فهم الخطوط العريضة للمشكلة ...
فهذا المريض كبر في بيئة يعاني أصحابها من عقدة النقص بسبب تخلفهم عن ركب الحضارة و التقدم، و هي بيئة يتم تذكير أصحابها بأن الآخرين حاربوهم في الماضي و هزموهم ، و دمروا دولتهم العظيمة المترامية الأطراف و التي نمت و توسعت على جثث الآخرين وهي بيئة يؤمن أصحابها بديانة تفرق بين الأنا و الآخر ، بين المؤمن و كل من سواه ، تعظم المؤمن و تذم غيره ، تخبره أنه متميز عن الآخرين ، أفضل من الآخرين ، دمه أعظم عند الله من دماء الآخرين ، فلو قُتل المؤمن قتلنا قاتله ، لكن إذا قتل المؤمن الكافر دفع ديته ولم يقتل ، فدم المؤمن لا يحل بدم غير المؤمن على سبيل المثال لا الحصر ... فهذا يفسر لنا : أولا ، سبب وقوعه في غرام كل من يصور له نفسه على أنه المقاتل الناصر البطل جالب العز للإسلام و المسلمين... ثانيا ، سبب فقده للإنسانية ، و تفرقته بين دماء أبناء جلدته و دماء الآخرين... داعش على ما يبدوا لم تفهم شخصية هذا المريض النفسي ، أو لعلها فهمتها لكنها لا تكترث لحالته المرضية ، و لا تريد تملقه و كسب رضاه ، فهو في عداد المجانين بالنسبية لمجانين داعش. و بين هذا المجنون و ذاك تكسر العظام ، و تطحن الجماجم ، و تقطع الرقاب ، في مشهد يراه البعض مقدسا ، و بالبعض فتنة أرادها الله ، و آخرون أمثالي حرب مجانين في مستشفى العالم العربي للأمراض العقلية.




















Commentaires